السيد الطباطبائي

212

تفسير الميزان

وقد أقسم الله تعالى بكثير من خلقه كالسماء والأرض والشمس والقمر والكنس الخنس من الكواكب وبالنجم إذا هوى ، وأقسم بالجبل والبحر والتين والزيتون والفرس وأقسم بالليل والنهار والصبح والشفق والعصر والضحى ويوم القيامة ، وأقسم بالنفس ، وأقسم بالكتاب والقرآن العظيم وحياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبالملائكة إلى غير ذلك في آيات كثيرة ولا يستقيم قسم إلا عن إعظام . فما المانع من أن نجرى على ما جرى عليه كلامه تعالى من إعظامها بالعظمة الموهوبة ونقتصر على ذلك ، ولو كان ذلك من الشرك لكان كلامه تعالى أولى بالتحرز منه وأحرى برعايته . وأيضا قد عظم الله تعالى أمور كثيرة في كلامه كالقرآن والعرش وخلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى : " والقرآن العظيم " ( الحجر : 87 ) ، وقال : " وهو رب العرش العظيم " ( التوبة : 129 ) ، وقال : " وإنك لعلى خلق عظيم " ( ن : 4 ) ، وجعل لأنبيائه ورسله والمؤمنين حقوقا على نفسه وعظمها واحترمها ، قال تعالى : " ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ، إنهم لهم المنصورون " ( الصافات : 172 ) ، وقال : " وكان حقا علينا نصر المؤمنين " ( الروم : 47 ) ، فما المانع من أن نعظمها ونجري على ما جرى عليه كلامه في مطلق القسم ، وأن نقسمه تعالى بشئ مما أقسم به أو بحق من الحقوق التي جعلها لأوليائه على نفسه ؟ نعم اليمين الشرعي الذي له آثار شرعية في باب اليمين أو القضاء لا ينعقد بغير الله سبحانه كما بين في الفقه وليس كلامنا فيه . وإن أراد به أن مطلق الاعظام كيفما كان لا يجوز في غير الله حتى إعظامها بما عظمها الله تعالى فهو مما لا دليل عليه بل القاطع من الدليل على خلافه . وربما قيل : إن في الأقسام بحق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسائر الأولياء والتقرب إليهم والاستشفاع بهم بأي وجه كان عبادة وإعطاء سلطة غيبية لها . والكلام فيه كالكلام في سابقه : فإن أريد بهذه السلطة الغيبية السلطة المستقلة الخاصة بالله فلا يذعن بها مسلم مؤمن بكتاب الله في غيره تعالى ، وإن أريد بها مطلق السلطة غير المادية ولو كان بإذن الله فما الدليل على امتناع أن يتصف بها بعض عباد الله كأوليائه مثلا بإذنه ، وقد نص القرآن الشريف على كثير من السلطات الغيبية في الملائكة كما قال : " حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون " ( الانعام : 61 ) ، وقال : " قل يتوفاكم ملك